... وللعلَم عيده في مدرسة القديس غريغوريوس.
تعاقب على الكلام في هذه المناسبة السعيدة كُلّ من حضرة المدير الأستاذ جوزف سلامه، وممثلة المعلِّمين السيّدة كارولين بدوي، وممثِّل التلاميذ روي خوري (الصف الثالث). وفي ما يلي كلمة حضرة المدير الأستاذ جوزف سلامه.
Mots de Roy Khoury | Mme Caroline Badaoui | Photos
حضرة رئيس وأعضاء لجنة أولياء التلامذة المحترمين،
حضرة الأساتذة والموظفين الكرام،
أيها التلاميذ الأعزاء،
في صباح كل يوم عمل من أيام العام الدراسي، يلتقي صفٌّ من صفوف المدرسة أمام العلم اللبنانيّ ليؤدّيَ له التحيّة. في صباح كل يوم يمثِّل هذا الصفُ مدرستَنا بكامل أفرادها، رفاقًا وأساتذةً وموظفين.
وفي مثل هذا اليوم من كل سنة نتنادى جميعُنا فنتوافدُ من الصفوف والمكاتب، لنقف أمام العلم اللبنانيّ في عيده.
لكن، لماذا تحيّةُ الصباح العاديّة كل يوم؟ ولماذا التحيّةُ الرسميّةُ اليومَ في عيد العلم؟
أَلأنه واجبُنا الوطنيّ؟ أم لأن العَلَمَ جميلةٌ ألوانُه؟ أم لأن العَلَمَ رمزٌ؟
لا نُلقي عادةً السلام إلاّ على من نعرف. والعَلَمُ اللبنانيّ نعرفه، ومن واجبنا ان نحَيّيَه فنحَيّيَ الوانَه ونُحْيِيَ رمزه.
وإن تكنْ ألوان العلَم اللبنانيِّ معروفةً من الجميع فلا بأس من التأمّل بها مجدًاً. أمّا أحمراره فبلون ذهبِ شموس الخريف عند الأصيل ورونقِ ورود الحُبِّ ساعة الاشتياق وبريقِ الدماء النابضة في عروق الأبرار. وأمّا بياضه فبلون فضّة الظهيرة في لهيب الصيف وبهاءِ ثلوج صنين وطهارةِ أيادي الأطفال. وأمّا اخضرار أرزه فبلون نضارة ينابيعِ الحياة الدّافقة التي لا تنضَب.
وإن يكن رمز العلم اللبنانيّ معلوماً فلا بأس من التذكير به. عَلَمنا رمزُ ولائنا وإنتمائنا لوطننا لبنان. والعلم رمز الحريّة والإستقلال، ليلة عيد الإستقلال.
فهل ندخل اليوم في أجواء الخطابة المألوفة ونتغنّى بكلام عاطفيّ جميل، يُجيد وصف العَلَم ويعبّر عن معاني الوطن ويحلّل رموز الإستقلال؟
ماذا عسانا نرفع اليوم؟ ماذا عسانا نحَيِّي اليوم؟ وماذا عسانا نُحْيي؟
حُبُّ الوطن شعور طبيعيّ يولَد في كلٍّ منَّا عندما يدخل هذه الدنيا. وأيُّ حب لا نعبِّر عنه، يبقى عقيمًا و طيَّ الكتمان.
وطننا الصغير كطفل يحبو بين أترابه المختلفين، ويترعرع في كنف اهله وحبهم له، ويكبَر على مهل من تعب مربّيه وعنائهم ومعاناتهم.
فكما الإنسان يولد طفلا وينشأ ولدًا ويكبر يافعًا ويقوى شابًّا ويكتمل رجلا، كذلك الوطن، يحتاج الى التربية والرعاية والاهتمام، فلا يهرمُ بل ينضج. الوطن، نحن ابناؤه و نحن مربّوه. نحن نصنعه يومًا، و نحن نرعاه يوميًّا، ونحن نلتجئ اليه كل يوم، وننتمي اليه ليرعى شؤوننا.
أسمعكم تقولون وطننا صغير وضعيف لا يكتنز الثروات الطبيعية ولا يدَّخر السلاح ولا العتاد، فكيف يقوى على الصِّعاب؟ و كيف نصونه و لا حول لنا؟
أقول لكم يكفي ان يقوم كل واحد منّا، من موقعه، بمهامه اليومية. يكفي ان يُجيد أعماله العادية، حتى يؤدي بامتياز واجبات الوطن.
لذلك، ومن صلب مشروعنا التربويّ، نؤكد أنه قبل تحويل العالم وتغيير الحياة، علينا بتغيير الإنسان و بتحويل ذواتنا. ونؤكد ايضًا أنَّ نور العِلْم وتنويرَ المعارف أمضى سلاحٍ و أنجعُ مقاومة لظلمة الجهل.
لذلك تجدونا نرفع اليوم مع العَلَم، ألوان الخيال والخَلق وأشكال الإبداع والفن ومنائرَ الفكر والعقل. أنظروا من حولكم، لقد اخترنا ليوم العَلَم موضوع الموسيقى اللبنانية التراثية. أنظروا من حولكم الى جهدكم واجتهادكم، لقد حققتم في اعمالكم الصفِّية اليومية والعادية هذا الموضوع، فأدَّيتم، بامتياز، واجباتِ الوطن.
لا تُقاس قيمة الإنسان بما ادّخر من أموال وما تبوّأ من مراكز وما جمع من ممتلكات. إن قيمة الإنسان كامنة في شخصيته الفذّة وفي حكمته النبيلة وفي إبداعه الخلاّق وفي شجاعة فكره الناضج والحر. هذه هي الثروات الغالية التي يقدمها المواطن العادي لوطنه، ليعبِّرَ عن تعلقه به وعن حبه له فيصونَ استقلاله.
ليس الإستقلال يوم عطلة نرتاح فيه من عناء يوم مضنٍ ومرهِق. إنه يوم تفكير وتأمل و عمل. تفكيرٌ بأن الإستقلال ليس مكافأة بل مسؤوليةً يوميّةً، وتأمُّلٌ بأن الحرية الحقّة هي استقلالية الفكر، وعملٌ مستمرٌّ للحفاظ على الإستقلال.
إن كان التاريخ المشترَك واللغة المشتركة يصنعان الأمة، فإن استقلال الدولة وحقوق المواطنين المدنية والسياسية والاجتماعية تصنع الشعب.
إنَّ قَدَرَنا ان نكبر و نرتفع ونتميّز بطبائعنا وانفتاحنا على الآخرين وتنوُّعِنا. ما يُنقذ الوطن حُبنا له، وما يبنيه عملُنا من أجله في كَدّنا اليومي وفي نجاحاتنا العادية وليس في أعمالٍ بطولية خارقة. من كان مواطنًا صالحًا صار بطلا عاديًّا.
أنَّى تستهونا الأوطان البديلة وأيًّا تكن تجربتنا لها، فوطننا الصغير هو الوطن الكبير لأنه الوطن الوحيد. من كان بلا وطن أصبح بدون هويّة وبقي بغير اسم.
ثورتنا على واقع نرفضه وانفعالنا صنعا الإستقلال، وفكرنا وبصيرتنا صنعا الدستور، واتفاقنا في ما بيننا وتفاعلُنا مع محيطنا صنَعا الميثاق الوطني، فليُدَعِّمْ تعايشُنا و تنوّعنا الدولةَ والمجتمعَ المدنيّ، ولْتبنِ ارادتنا الواعية الحرة المستقبل الأفضل.
عشتم، عاشت مدرستنا وعاش لبنان.
جوزف سلامه

