حضرة رئيس وأعضاء لجنة الأهل المحترمين،

حضرة الأساتذة والموظفين الكرام،

أيها التلاميذ الأعزاء،

مدرستنا اليوم في عيد. تستظلّ العلم اللبنانيّ في يومه، لتحتفل بِعيده.

يأتينا عيد علم لبنان هذه السنة بنكهة خاصّة جديدة، لم يدركها من قبل، مذ رسمه، أواخرَ السبعينات، وزير التربية الوطنيّة، الشيخ بطرس حرب، عيدًا في كلّ مدارس لبنان.

في سنة 2005، ألوان العلم بريقها من نور الإستقلال الجديد وطعمها من عطر الجلاء الحقيقيّ.

في سنة 2005، يوم العلم يوم مختلف للبنان. إنه يوم فرح و نصر. فرحٌ بما حققه أبناؤه، و نصرٌ للحرية التي ناضلوا في سبيلها على مدى ثلاثة عقود.

لذلك، تعالوا بدلاً من أن نصف العلم ونستعيد قصته، تعالوا نسأله اليوم عن البلاد التي يرمز إلى وجودها وعن الأمّة التي يكتنز معناها، وهو الشاهد الصامت منذ إثنين وستين عامًا على تاريخ لبنان الحديث.

تعالوا نسأل العلم عن مشاهدات الماضي.

تعالوا نسألُه عن رؤى المستقبل وعن رهانات الحاضر.

فبمَ عساه يبوح ؟

إن حكى العلم لاستذكر الماضي، فتذكر ولادته سنة 1943، بالأسود والأبيض، في إحدى غرف المجلس النيابي، حيث رسمه، بعيدًا عن الأضواء، مجموعة من النوّاب الأحرار، المقاومين لسلطة الإنتداب.

وبعدها لتذكّر العلم كيف تمّت هذه الولادة، بالألوان، في ساحة البرج، ساحة الشهداء، في أيادي الناس الذين رفعوه وخرجوا به الى الضوء لينادوا بالحريّة والإستقلال.

وإن حكى العلم عن الماضي، لتحسّر على دولة لم يُقِمْها رجالها، واستاء من وعود قطعوها ولم يفوا بها طوال ثلاثين سنةً.

ولنظر العلم بمرارة واشمئزاز الى كل من رفع علمًا على منبره وداره ليستأثر به وحده، دون سواه.

ولذرف العلم دموع الأسى الحارّةَ على كلّ من سكب دماءه الزكيّةَ ليسقيَ بها تراب الوطن، خلال خمسة عشر عامًا من حروبنا الصغيرة والكبيرة.

ولزمجر العلم غضبًا لعودة الوصاية على مدى تسع وعشرين سنة من كسوف الحريّة وظلام الأمل.

أمّا عن المستقبل، فإن حكى العلم من عليائه، لحدّق الى آفاق المستقبل علّه يستشفُّ من غياهبه الوعودَ.

إن حكى العلم عن المستقبل لأمِل أن يكتمل بناء الدولة، وتمنّى أن ينتهي المزج الخطير بين الدين والسياسة والإجتماع، وتنبأ بأن لبنان الفريد على مساحات الشرق الواسعة والتعيسة، هو واجب الوجود انسانيًّا لتنوّعه، وحضاريًّا كملتقًى للثقافات، وأخلاقيًّا كمنتدًى للحرية، وأمميًّا كنموذج تقتدي به أمم الأرض.

وبين وهم الكبار وحلم الصغار، يبقى عمل الشباب. لذلك إن حكى العلم اليوم لحاكى الحاضر، ليشاهد بفخر نهضة شعب استفاق وفهم أن الإستقلال ليس جائزة ينالها بل مسؤوليّة يحملها. وليحدّق بإعتزاز الى شعب استنهض طاقات شبابه فزحف ثلثه الى ساحة الحرية رافعًا العلم اللبنانيّ علمًا وحيدًا، أوحدا، موحِّدًا للجميع.

إن حكى العلم عن الحاضر، لذكّرنا بأنّ لبنان الناس مختلف عن لبنان السياسيين. لأنّ لبنان الناس هو لبنان الحرية السياسية والفكرية. ولذكَّرنا بأن لبنان، خلافًا لكلّ دول المنطقة، لا يصنع مواطنيه، بل يصنعه مواطنوه.

إن حكى العلم اليوم، لدعا اللبنانيين الى "واجب الذاكرة" لمقاتلة الطائفيّة بالمواطنيّة، ونبذ الأحقاد بالتواصل، ورفض العنف بالتفاهم.

إن حكى العلم لدعا اللبنانيين إلى التعاون على تصفية الذاكرة بشجاعة وعدالة، من رواسب الجراح والآلام والخوف، ليصبح العيش معًا التزامًا قابلاً للتحقيق.

إن حكى العلم، لقال لكلّ لبنانيّ إن لبنان له ولغيره. ولدعا كل لبناني الى ملاقاة الآخر شريكًا في وطن مشترك، منفتح، متسامح، وحديث.

إن حكى العلم أخيرًا لحثّ الشباب على تبنّي مشروع الوطن، للعبور به من فيديرالية الطوائف الى الدولة المكتملة

ختامًا، لا يمكنني في عيد العلم إلاّ أن أُحدِّث وطني بمشاعري، فأستعيد مطلع قصيدة علّمني اياها، في بداية السنة المدرسية منذ ستة وثلاثين عامًا، استاذي في اللغة العربية، رحم الله روحه، وكنت ما أزال في الصف السادس.

وإن نسِيَتْ ذاكرتي الضعيفةُ الجاحدة إسم المؤلِّف وبقيَّةَ الأبيات، فإنها لن تنسى ذلك الأستاذ المتبسّمَ الذي نفخ في قلبي حب الوطن، ولا ذلك المطلع القائل :

"يا بلادي لكِ قلبي، لكِ آمالي وحبي وجهادي، يا بلادي."

فلتكنْ هذه الأبيات جوابًا للعَلَم عن كلامه، وعهدًا للبنان المشرق عائدًا الى اللبنانيين.

عشتم، عاشت مدرستنا، وعاش لبنان عزيزًا، دائم الحريّة، ناجز الإستقلال.

جوزاف سلامه

18/11/2005