كلمة المدير الأستاذ جوزاف سلامه

 

حضرة رئيس وأعضاء لجنة أولياء التلامذة المحترمين،
حضرة الأمين العام المساعد للجنة الأساتذة،
حضرة الأساتذة والموظفين الكرام،
أيها التلاميذ الأعزاء،

ها هو عيد العلم يخرج إلينا من سنة قاسية، حلوها مرٌّ. يستصرخ الذاكرة ألا استفيقي من صمت ونسيان. في نهاية سنة 2006، هل نجرؤ بعدُ على التغني الفارغ بما كان من أمجاد الماضي وهي اندثرت، أم أنّّنا ننظر ونفهم أنّ ما حلّ بنا حتى اليوم وما سوف يأتينا مستقبلاً، إنّما هو من صنع أيدينا.

نعلم جميعًا أن الأرزة الخضراء تتوسط علم لبنان الأبيض والأحمر بفخر وشموخ. تشدّ اطراف الوطن المختلفة الى بعضها وتغرسها في الأرض. هذه الشجرة التي أنبتتها الطبيعة في أرض لبنان أضحت رمز الوطن واسمَه الثاني. فليرتفع العلم اللبنانيّ وحده دون سواه على كل شبر ومربّع من بلادنا.

وإن تكن الأرزة رمزَ الوطن، فنحن المواطنون لا نعيش في الرمزيّة ولا في أغاني فيروز وأناشيد وديع الصافي. بل إننا نعيش يوميًّا في الواقع وعلى أرض وطن جريح. فهل أصبح الوطن، في نهاية العام 2006، مجرّد فكرة في الأذهان، وأمنية في مخيلة الشرفاء، بينما الدولة في الواقع تشلّها الأنانيات والصغائر؟

أيها التلاميذ الأعزاء،

بما أنكم اخترتم مع معلميكم لأعمالكم التحضيريّة لعيد العلم موضوع الأرض اللبنانية، فتعالوا نضع عيدَ العلم هذه السنة تحت شعار الارض، ونرفعُ مع العلم علامة الأرض.

وبالفعل، لقد اخترتم أنتم تلاميذ فرع الكبار، تجسيم لبنان الجغرافيا على خريطة ال 10452 كلم2 وتجسيم لبنان الإداريّ بمحافظاته الست وببعض مدنه وقراه. إنه لبنان الكاملة أرضه، لجميع أبنائه، الذي لا يكتمل إلاّ بمواطنيه.

أما تلاميذ الصف الرابع فقد اختاروا التاريخ لتذكيرنا بأنه منذ 63 عامًا جمع رجلان اثنان، بشارة الخوري ورياض الصلح، شمل وطن عمره من عمر الدهور. دولته الفتيّة تتحدى المستحيل لإقامة الجمهوريّة اللبنانية، التي تأسست منذ 80 عامًا، في 23 أيار 1926. كان لقاء الرجلين العلمين العملاقين لقاءً مؤسِّسًا للبنان الحديث بجناحيه. بلد أُريد له الإشراق والإنفتاح على العالم الواسع الحديث. ونتساءل اليوم أيننا من هؤلاء العظماء، صانعي لبنان المعاصر؟

أما رفاقكم في فرع الصغار فقد اختاروا احياء التراث القرويّ اللبنانيّ من خيرات الأرض وكنوز الخوابي وأطيابها (زيت وزيتون وصابون وماء الزهر والورد وشراب التوت). وإن كنّا نزرع شجرة كل سنة فلنثبتَ أنّ الأرضَ كريمةٌ لكنها لا تثمر لنا إلاّ ما نزرع فيها.

وأما رفاقكم من صفوف الحضانة فقد اختاروا التعريف بأعلام مميّزين من لبنان، نذروا للبنان الفكر والقلم والصوت والريشة والأوتار والأداء، فأَغنَوه.

لكل هذه الأعمال دلالة، ألا وهي أن لبنان ليس مجرد فكرةٍ جميلة أنتجتها مخيلة الشعراء أو ذاكرة المؤرخين. إنما لبنان واقع جغرافي وبشري وحضاريّ وثقافي وسياسي. وأننا نحن كمواطنين نصنع واقعه هذا، ايجابًا أو سلبًا.

أيها الأعزّاء،

عيد العلم موعدنا مع الإستقلال. والإستقلال حرّية ومسؤولّية.

الإستقلال حريةٌ ترفض أن تجعل الدم يروي الأرض. وحريةٌ ترفض أن يحكم اليأس المستقبل. وحريةٌ تريد لبنان وعدَ الأجيال، ورسالةَ االحضارة، وأملَ الشباب.

الإستقلال مسؤولية لأنه عملٌ على جعل قيمة الحياة تعلو ولا يُعلى عليها. وعملٌ على العيش معًا بسلام وأمان. وعملٌ على الإزدهار الإقتصاديّ والإبداع الثقافي. وعملٌ على نقل لبنان من التخلّف الى الحداثة، ليخطوَ نحو المستقبل.

أيها الأعزاء،

لن ينقذ لبنان إلاّ مواطنوه. أنتم تصنعون لبنان إذ أنّ لكل جيل فرصةً متاحةً في بناء لبنان الذي يريد.

فكيف ينجح الشباب حيث أخفق الكبار؟ وكيف لا يكررُ الأبناء أخطاء الآباء؟

إبنوا لبنان التحدّي على الرأي الصائب المُسنَد الى معرفة الأمور، لا الى ما يقال وينقل بالتواتر. كَوِّنوا أفكاركم بأنفسكم. لا تقبلوا أن يفكّر غيرُكم عنكم. لا تقبلوا التبعيّة لأحد. حكّموا العقل، لئلاّ تكونوا مجرّدَ شعبٍ وجمهورَ قطعان. كونوا مواطنين أحرارًا تحاسبون كل من خذلكم.

إبنوا لبنان الدولة على قيم مؤسِّسة تصون الحريات العامة، والتنوع الثقافي، والعيش الكريم معًا. ولتكنْ وسائل البناء : المعرفة للخلاص من الجهل، والتفاهم للخلاص من العنف، والإنفتاح للخلاص من التعصّب. وليتنازلْ كل فرد عن مصالحه الخاصة في سبيل الخير العام.

وحدها الأرض الصالحة تثمر. ولا يُصلِح الأرض إلاّ الذاتُ الصالحة المسالمة والفكر الصافي الراجح. فبمقدار ما نتحلّى بهدوء الرّوح وسكينة القلب، بمقدار ذلك تكون علاقاتنا بالآخرين سهلةً ومنفتحةً وتفاعلنا معهم ايجابيًّا ومحبًّا.

الحسُّ المرهف، والأدب الرفيع، ورِقّة المشاعر، وحسن النية، و احترام العهد، وإقتران القول بالفعل، كلّها شيم مسالمة ولكنها فاعلة في المجتمع المدني، تمنع منطق التسلط والإستقواءعلى الآخر فتُخضع الطبع الغريزيّ الموجود في كل واحد منّا، الى منطق التطبّع.

إن تحلَّينا بهذه الشيم بقيت لنا الأرضُ مستقلّةً، وبقي عليها العلمُ خفّاقَ الجوانب، وعاد إلينا لبنان، مثل طائر الفينيق، يَحيى بنا ونعيش معًا في ربوعه بمحبة وسلام.

عشتم في قلب لبنان وبحب لبنان،

وعاش لبنان في قلبكم وبحبكم

جوزاف سلامه