حضرة رئيسة وأعضاء لجنة أولياء الطلبة المحترمين،
حضرة الأساتذة والموظفين الكرام،
أيها التلاميذ الأعزاء،
تجتمّع مدرستنا في هذا الصباح بكامل أفراد جماعتها التربوية من تلامذة، وأساتذة، وموظّفين وأهل، كي تحتفل بعيد العلم.
لهذا العيد في كلِّ سنة طابع خاص. إنه يصادف عشيَّة عيد الاستقلال ويتحلّى بنكهة الحريّة و يأخذ بُعدًا وطنيًّا ليصبح عيد لبنان، لبنان البلد، ولبنان الشّعب ولبنان الدولة.
العَلَمُ هو الراية التي نرفعُ فيراها الجميع ويهتدون بها.
والعلَمُ هو العلامة الفارقة التي تُعرِّفُ الآخرين بنا.
والعلَمُ هو الرّمز المميَّز لهويتنا، يصلُ التاريخ بالجغرافيا فيوحّدُ البلد ويجمعُ الشعب ويرسِّخُ الدولة.
صفاتُ العلم هذه كلُّها ظواهرُ مهمةٌ لكنَّ للعلم جوهرًا ومضمونًا.
وما جوهر العلم الاّ الاستقلال وما مضمونُه الاّ الحريّة.
ولَإنْ كنّا نعرف أنَّ احمرار العلم من نبض القلوب،
وأنَّ بياض العلم من عصارة الأفكار،
وأنَّ أرزه من جمع السواعد،
فهل ندرك فعلاً معنى الاستقلالِ وقيمتَهُ ؟
كم من منتقد متشائم يدّعي الواقعية نسمعه يردد أن الاستقلال مصباحٌ شحَّ نورُه أو صوتٌ خَفتَتْ نبرتُه أو خطواتٌ ابتعد وقْعُها.
إن الاستقلال أوّلاً ذكرى و ذاكرة.
ذكرى نضال الأمس في كفاح الأجداد والآباء وفي استذكار أحداث التاريخ التي أوجدت لبنان.
و ذاكرةُ تضامن اليوم في صمود الأبناء وسَعيِهم.
و آمالُ أجيال الغد وطموحاتُهم ومشاريعُهم.
إن الاستقلال ثانيًا قيمة و معنى.
قيمةُ الوديعة التي دفنتها قلَّةٌ فلم تُنتِجْ، وانّما ثمَّرتها كثرةٌ وثمَّنتها ، فأعطت وأينعت مشروع بلدٍ سيّدٍ بحدودٍ مصانة.
و قيمةُ الحريّة التي تريد شعبًا موحّدًا في تنوّعه.
و قيمة الرجاء بدولةٍ قائمة بمؤسساتها، قادرةٍ بقدرة القانون.
إن الاستقلال ثالثًا التزام و عمل.
الالتزامُ بأنّ لبنان لا يبنيه الاّ أهله ولا يصنع استقلاله الاّ مواطنيه.
والعملُ على ارساء ثقافة الاستقلال بين الشباب اللبنانيّ، ثقافةِ الحريّة والتحرّرِ من القيود، كلِّ القيود.
تلاحظون هنا اننا كلما ذكرنا الاستقلال ألقينا على الشباب بالمسؤوليات التي حملنا وأوصيناهم بالأهداف التي ربما لم ننجزْ.
والواقع انّ الشباب قوة التغيير في المجتمعات كلّها. الشباب قوّة الفعلِ.
وأمّا عمل الشباب في التغيير، فيبدأ بنهل المعرفة و اكتساب التربية الوطنيّة.
وأمّا دورهم، فبالانفتاح على الآخرين واحترامهم و التواصلِ معهم.
وأمّا مسعاهم، فبالتعرف الى بعضهم ومحاورة بعضهم بحريّة الصادق وشجاعة الصديق، وانخراطهم معاً في مؤسسات المجتمع المدنيّ ليحققوا سويّاً اللبنان الذي يستحقون.
في ذكراه الستين، يغدو استقلالنا جوهرةً فريدةً صلبة القلب، واحدة القالب، متعددة الوجوه.
وان كنّا نجتمع اليوم لإحياء عيد العلم وذكرى الاستقلال، فلِنثبتَ أنَّ الاستقلالَ وديعةٌ ثمينة بوجودنا، ومشروعٌ حقيقي بكدّنا اليومي، وجوهرةٌ برّاقة برجائنا، فتُستعادُ الذكرى و تَكْبَرُ القيمةُ ويُثمِرُ العمل.
أيها الأعزّاء،
آباؤنا شعاعُ الاستقلال، ونحن صوتُه الهادر، وأنتم زمانُه الآتي.
فتعالوا معًا نصنعُ الاستقلالَ و المستقبلَ الواعدَ كي يبقى لبنانُ فعلاً بنا، فيبقى لنا وللأجيال الآتية من بعدنا.
عشتم، عاشت مدرستنا وعاش لبنان.
جوزاف سلامه
21/11/2003

